أبو حامد الغزالي
214
تهافت الفلاسفة
فبهذا يطلع على ما يحدث ، فإن كل ما يحدث ، فحدوثه واجب على علته ، مهما تحققت العلة . ونحن إنما لا نعلم ما يقع في المستقبل ، لأنا لا نعلم جميع أسبابها ، ولو علمنا جميع الأسباب ، لعلمنا جميع المسببات ، فإنا مهما علمنا ، أن النار ستلتقى بالقطن مثلا ، في وقت معين ، نعلم احتراق القطن ، ومهما علمنا ، أن شخصا سيأكل نعلم أنه سيشبع ، وإذا علمنا أن شخصا ، سيتخطى الموضع الفلاني ، الذي فيه كنز مغطّى بشئ خفيف ، إذا مشى عليه الماشي ، تعثر رجله في الكنز ، ويعرفه ؛ نعلم أنه سيستغنى بوجود الكنز . ولكن هذه الأسباب لا نعلمها ، وربما نعلم بعضها ، فيقع لنا حدس بوقوع المسبب ، فإن عرفنا أغلبها وأكثرها ، حصل لنا ظن ظاهر بالوقوع ، فلو حصل لنا العلم بجميع الأسباب ، لحصلت المعرفة بجميع المسببات ، إلا أن السماويات كثيرة ، ثم لها اختلاط بالحوادث الأرضية ، وليس في القوة البشرية الاطلاع عليها ؛ ونفوس السماوات مطلعة عليها ، لا طلاعها على السبب الأول ، ولوازمها ولوازم لوازمها إلى آخر السلسلة . ولهذا زعموا : أن النائم يرى في نومه ، ما يكون في المستقبل ، وذلك لاتصاله باللوح المحفوظ ، ومطالعته ، ومهما اطلع على الشئ ، ربما بقي ذلك الشئ بعينه في حفظه ، وربما سارعت القوة المخيلة ، إلى محاكاته ، فإن من غريزتها محاكاة الأشياء ، بأمثلة تناسبها ، بعض المناسبة ، أو انتقالها منها إلى أضدادها ، فينمحى المدرك الحقيقي ، عن الحفظ ، ويبقى مثال الخيال في الحفظ ، فيحتاج إلى تعبير ما ، يمثّل الخيال ، كما يمثّل الرجل بشجرة ، والزوجة بخفّ ، والخادم ببعض أواني الدار ، وحافظ مال البر والصدقات ، بزيت ؛ فإن الزيت سبب للسراج الذي هو سبب الضياء ، وعلم التعبير يتشعب عن هذا الأصل . وزعموا أن الاتصال بتلك النفوس ، مبذول ، إذ ليس ثمّ حجاب ، ولكنا في يقظتنا ، مشغولون بما تورده الحواس والشهوات علينا ؛ فاشتغالنا بهذه الأمور